التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجلة آفاق الأدب / دراسة نقدية، سيكولوجية ، فى نصين للشاعر التونسى/ توفيق النهدي. /رؤية الأديب د. عوني سيف


الأديب دكتور عوني سيف

دراسة نقدية، سيكولوجية ، فى نصين للشاعر التونسى/ توفيق النهدي.
بقلم / عونى سيف ، القاهرة.
النصين - أدغال العقل.
           - التاريخ
-----------------------------------------
* نص أدغال العقل:
تَسكّعت في أدغال عقلي المجنون
زادتني الفسحة عمرا ماضيا 
الجنون فنون 
قابلت سقراط ونابليون 
اعترضني يوحنّا وذي النون 
استسلمت لعملية الربط
كل الوجوه ناظرة ناضرة 
تتأبط سلاسل مضيئة 
سلاسل تربط الأزمنة والجغرافيا 
يلتقفني النزاع ووازع الصراع 
كنت في يقظتي أم في المجون
شيء من غدٍ يترقب الخيط الأبيض 
من الأسود 
يُراوحُ على مَهلٍ على وَجَلٍ
صعد خيالي على سفينة راسية على الجودي 
تمخر الصخر والجبل 
كأن نوحا لم يأت من قَبِل 
كأن الماضي قادم بلا قَدَمٍ
جُزءٌ من دربي سرياليٌ 
دربٌ فوق منصّات الخيال
ما الطريق إذن؟
القارب من اللَّدُن 
النجاة في جنّات عدن 
كتاب المرسى حروفُ مسماريّة 
تُشكّلُ الغموضَ للمرة الأخيرة 
للعودة الأخيرة 
ينسابُ الوقت رمالا في صحراء اليقظة 
عند نهاية الجنون 
عند غياب الفاصل
ريحٌ صرصر تدكّ حصون العقول 
تقلب الطاولة مرة أخرى 
خليطُ الأرقام أضاع سنة البداية
الضوء انحسر في زاوية بلا بشر 
قاومتُ قبل الخروج من أدغال العقل 
لكن تلك طبيعة البشر.
 -----------------------------------------------
* نص التاريخ:
أنا رجل من معدن التاريخ
من مهبط الأولين 
أصحاب الكهف 
والأخدود 
صالح وثمود..
دمي شلالُ ورقٍ مكتوب
بردية من وادي الملوك 
جدارية رمسيس 
الكاهنة
نفرتيتي 
وبلقيس..
أنا رجل أستريح 
وسط ذاكرتي 
بين الراقدين 
حمورابي 
سقراط
من بعدهم النبيئين.. 
أستنير من غمرات الخوالي 
من عميق من سحيق 
قرطاج والرافدين 
قرطاس وكتاب
طقوس ومحراب
ولسان الشاكرين..
خط سيرهم يلهمني 
أثرهم عطرٌ للمريدين
دفاترهم نبراس عقول 
معاول حقول 
مدفنهم شهادة ميلاد 
قليل من الأولين 
وقليل من الآخرين..
-----------------------------------------------
* * التعقيب:**النص الأول:
عتبة النص . " أدغال العقل"
إختيار الاستاذ توفيق لهذا العنوان ينبئك إن الشاعر مهموماً بمسائل وجودية عدة.منها الفلسفية الوجودية و الأخلاقية و النفسية. و هذه هي حياة الشعراء ،و خاصةً المثقفين منهم. فإذا نظرت بيولوچياً إلى تشريح المخ البشري عصبياً ، سوف تجده يشبه أدغال غرب افريقيا أو أمريكا اللاتينية. لكن الشاعر تخطى هذه المنطقة الحسية ، و أسند للعقل هذه المفردة كصفة . فقبل أن تقرأ النص عزيزى القارئ ، ما هى الأدغال الموجودة بعقل شاعر مثقف مهموم بمسائل وجودية ؟
بدأ الشاعر قصيدته النثرية ب " تسكعت فى أدغال عقلى المجنون." وهل يحق للشاعر وصف عقله بهذه الصفة ؟
- نعم ، هذا طبيعي جداً ، فهل وجدت يوما إنسان ، عادى ، ساذج ،بسيط التفكير ، غير مثقف يصف عقله بهذه الصفة ؟
- طبعاً لا.
أما الشعراء من هذا النوع المثقف ، و تفكيرهم أحياناً فى مسائل عويصة، تجعلهم يشكّون - حتى لو للحظات - فى سلامة عقولهم.
و من قبل ، فى تاريخ النقد ، تطرق نقاد العصر الرومانتيكى فى أوروبا لهذا الموضوع ، و وصفوا الشاعر بأنه مجنون ، و جاء الاستاذ الناقد المصرى :عز الدين اسماعيل بتخفيف حدة هذا الوصف ، و وصف الشاعر بأنه عصابياً إلى حد ما و إن التجربة الشعرية وليدة اللاشعور ، و كأنها حلم يتخذ من الرموز و الصور ما ينفس عن الرغبات ، و ذلك كان تبنياً لفكر المدرسة الفرودية و ما بعدها فى تفسير التجربة الشعرية لدي الشاعر.
فالنفس البشرية مرتبطة بالادب أو بالشعر فى حالتنا هذه ، ارتباطاً قوياً ، و الادب أيضاً مرتبط بالنفس ارتباطا لا احد ينكره.
قال الدكتور : عز الدين اسماعيل (فى كتاب التفسير النفسى للأدب) "أن النفس تضع الأدب ، و كذلك الأدب يضع النفس"
فسوف اجول على حافة هذه الأدغال ، ولا ادخل كثيراً لغابتها الاستوائية المطيرة.
استخدم النهدى فى نصيه ،اسماء أثرت فيه شعورياً و لاشعورياً.
و هى اسماء ذات تجارب فكرية معروفة ، قابلهم الشاعر فى مقابلة ذهنية . و هذه الأسماء توضح مخزون الشاعر الثقافى ، و ارتباط تجربته الشعرية بقصص هؤلاء العظام.
فقابل سقراط بنظرته العقلية الشمولية فى الآداب ، و نابليون بطموحاته الكبيرة ، و يوحنا رمز الوفاء والاخلاص فى صداقته لمعلمه المسيح عليه السلام.
ربط النهدى بين الأزمنة و الجغرافيا فى رحلته السريالية.
و حسب النظرية الفرودية و ما بعدها ، فالأنا الاعلى عند النهدى 
يقارن ظروف الوقت الراهن بصور من التاريخ القديم ، السحيق.
فذكره لنوح عليه السلام ، و قوله "كأن الماضي قادم بلا قدم "
هنا - من وجهة النظر النفسية - يعبر عن عدم الرضا الذى يسيطر على تجربته الشعرية ، و ينتظر فرجاً كبيراً، ربما للظروف الحياتية الراهنة فى مجتمعاتنا العربية ذات التشابه فى مشاكلها المتشابكة . وبعض هذه المشاكل لا ينفع معها حلول مؤقتة ، بل تحتاج لحل جذرى يشبه الطوفان الذى حدث فى وقت نوح عليه السلام لحل المشاكل السائدة حينذاك.
تكلم الاستاذ توفيق النهدي عن العودة من رحلته الذهنية ، سالفة الذكر ،استخدم صورة غامضة إلى حد ما قائلاً:
القارب من اللَّدُن 
النجاة في جنّات عدن 
كتاب المرسى حروفُ مسماريّة 
تُشكّلُ الغموضَ للمرة الأخيرة 
للعودة الأخيرة 
وهذا الغموض يؤدى إلى إستنطاق النص ، فالبساطة تجعل النص أحادى المعنى كما قال الدكتور شايف عكاشة (فى كتاب اتجاهات النقد المعاصر في مصر)
فهنا ربما النهدى يقصد ، العودة بالانسان بلا سلبيات كما كان فى جنة عدن ، و العودة الأزمنة القديمة.
ايضاً ، ربما انا كناقد و متذوق للشعر ، لم افهم هذه الصورة جيداً، و هذا ما قصدته ب "إستنطاق النص "فكل قارئ أو ناقد سيجد ما يفهمه أو يكتبه عن هذا النص الفذ.
و يقول استاذ توفيق ف اخر قصيدته :
ريحٌ صرصر تدكّ حصون العقول 
تقلب الطاولة مرة أخرى 
خليطُ الأرقام أضاع سنة البداية
الضوء انحسر في زاوية بلا بشر 
قاومتُ قبل الخروج من أدغال العقل 
لكن تلك طبيعة البشر.
و هنا ينهى النهدى أفكاره ، بفكرة خلاصية توضح أن العقل لا يكف عن التفكير ابدا ، و هذه هى طبيعة العقل البشرى.
------------------------------------------------------------------------------

** التعقيب** النص الثاني.
عتبة النص: التاريخ :
  هو عنوان شمولى ، جزء من كل بالنسبة لنص أدغال العقل.
فهذا النص لا يحتاج إلى تعقيب أكثر مما سبق ، فهو يعتبر مكمل لنص "أدغال العقل" . و فيه الشاعر استخدم لغة ، سهلة ، بسيطة ، ذات دلالات قوية و جميلة ، و اخذ يجول فى حقب التاريخ ليتعلم من المفكرين و الانبياء ، و رجالات الحضارات القديمة. و وضح النهدى إن راحته فى المكوث بينهم ، حين قال :

أنا رجل أستريح 
وسط ذاكرتي 
بين الراقدين 
حمورابي 
سقراط
من بعدهم النبيئين.. 
و استفاض الشاعر بتوضيح استنارته من الحضارات القديمة ، و حضارة العرب فى زمن من الأزمان ، فقال :
أستنير من غمرات الخوالي 
من عميق من سحيق 
قرطاج والرافدين 
قرطاس وكتاب
طقوس ومحراب
ولسان الشاكرين..
و دلالة كلمتى طقوس و محراب ، و عدم تخصيصها لايدلوجية دينية معينة ، هذا يدل على شمولية الاخلاق لدى الشاعر و اكتسابها من كل الثقافات - ذات الاخلاق الحميدة - السابقة حتى نصل الى حمورابي ، كما ذكر.
و نحن نعلم أن قوانين حمورابي ، هي أول قوانين أخلاقية مكتوبة ، عرفّت، و ترجمّت.
و نعود للعقل مرة أخرى فى قوله:
"دفاترهم نبراس عقول "
يقصد القدماء ، و الحكماء ، و الانبياء.
و هنا اختم مقالى هذا ، بإن هذا الشاعر ، توفيق النهدى ، فى تجربته الشعرية يختذل لاشعورياً كل الحضارات التى قامت و كانت فى الشرق من بلاد الرافدين حتى قرطاج ، فهو لاشعورياً، و شعورياً ينتمى إلى كل هذا التاريخ العريق و القوانين الأخلاقية التى صاغها حكماء هذه الحضارات.
تحياتي/ عونى سيف ، ناقد مصرى. ابريل ٢٠٢٣.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مجلة آفاق الأدب/قرأت اول السطر /الشاعر رامي بليلو

الشاعر رامي بليلو قرأت أول سطر  في قصيدة عينيها  سألت  من أنتِ  قالت ٠٠ أنا  عشتار التي  داهمها وجع الحياة أنا تلك الربة التي مافتئت تغرس الحب في القلوب أنا عنات الأرض وتاه البعل عني و أوجعتني الأيام. أنا عاشقة الحياة  أنا من خط الحرف عند انبلاج الفجر. أنا من كتبت الآه وتهت بين الحرف الأول والهاء كانت الهاء ملهاة عمري  كانت وجعي كانت ألمي انتظر  انتظر البعل ليلتقط يدي ويسند رأسي على كتفه ليهبني  ألق الحياة والعشق يغويني يرسلني شعاع نور يباغت الشمس عند المغيب أرغب أن أكون شمساً  للعاشقين و أود ان أكون قمر بقلمي رامي بليلو ٠٠هولندا هاردرفايك

مملكة ندى الحروف الأدبية _____ قولوا عني ______ بقلم أمينة بوترعة

 قولوا عني عاهرة  مشاعري متغيرة  مفاتن حروفي ظاهرة  تبا لكم  فأنا حقيقتكم الماكرة  ستبقى ضربات قلمي قاتلة غادرة  وحروفي للقارات عابرة  فأنا جزائرية قادرة  للخير غير ناكرة  للمنكر ناهرة  فلا تدعو أنكم كرام بررة  فرائحتكم فالأرجاء منتشرة  ولن تنفعكم قارورات عطركم الفاخرة  أهدي لأعدائي إبتسامة ساخرة  لا أريد أي ختم في جوازي  فأنا في وطني فخورة بإحتجازي  وإن زاد سعر الخبز عند الخباز واشتريت بيضة فهذا أكبر إنجازي  ولو كنت بلا سكن ولا غاز  يكفيني شرفا  أنني جزائرية في وطني حرة  بكل فخر وإع تزاز . بوترعة أمينة

مجلة آفاق الأدب / عتاب /الشاعر غالب مهني المنشاوي

الشاعر غالب مهني المنشاوي  من أشعارنا قصيده بعنوان ( عتاب ) اناشد هاجراً يلقى جميل الود بالصد لحسن نصائحى يُصغى ولا يزداد في العند لنرجع مثلما كنا كفى ما كان من بعد ونفتح للرضا باباً ونوصد طاقة البعد نُبادل ما مضى هجراً بطيب الوصل والسعد ونطفئ للنوى جمراً يزيد حرارة الكبد فلا لسعاية نُصغى فكم من حاقد وغد يروم فراقنا دوماً لما يغشاه من حقد ولا يبدو له ترك لسوء النم والكيد فليس لدرء من يسعى إلى الإفساد فى الود سوى الإسراع فى وصل فليس لذاك من بُد إلاما نعيش فى هجر ولا نمضى إلى الرشد زهور ربيعنا تذوى من الريحان والورد أليس العيش فى وصل يفوق الزبد بالشهد وعيش البين كم يحوى مرير الدمع والسهد طويل بعادنا يُزكى لهيب النار والوقد أترضى معاشنا يمضى ولا نجنى سوى الوجد لوصل دائم أرجو وقلت جميع ما عندى وعلمى ما لكم وصل يروق لديك من بعدى وددت سماعكم نصحى وجود منك بالرد ................................ شعر غالب مهنى المنشاوى جمهورية مصر العربية